عبد الرحمن الأنصاري الدباغ

82

معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان ( تعليق التنوخي )

قلت : هذا من نقل ابن الحلّاف عنه . وقال غيره : بتّ عنده ليلة فسمعت حسّ ماء يقطر ، فظننته آنية انكسرت ، فقمت لأنظر ذلك ، فإذا به قائما يصلّي ويبكي ، وإذا الذي سمعته دموعه تقطر على الحصير . وكان أيام بني عبيد لا يؤذن إلا على سنّة الأذان ولا يقول : « حيّ على خير العمل » ، فحماه اللّه منهم ، ولقد كان أذّن مرّة فخاطبته نفسه بقولها وإن لم يقلها يقتل ، فقالها فلما فرغ إذا أسود ناصب حربته بين كتفيه إن لم يقلها طعنه بها ، فعافاه اللّه وكان يقول للناس : تمالوا على الأذان على سنّة في أنفسكم ، فإذا فرغتم فقولوا حيّ على خير العمل فإنما أراد بنو عبيد خلاء المساجد لفعلكم هذا ، وأنتم معذورون ، خير من خلاء المساجد . قلت : قف على هذا فإنه كان اعتقادي أنهم إنما كانوا يقولونها بعد حيّ على الفلاح في أضعاف الأذان ، حتى وقفت على كلامه هذا من أنها بعد فراغ الأذان ليسهل أمرها حينئذ لضرورتهم . وقد تقدّم أن عروسا المؤذّن قتلوه بسبب تركه لها وقبره مزار عندنا . فكيف لا وقد مات شهيدا . قال : وكان رحمه اللّه تعالى يقول : إنّ الثّواب هاهنا قليل ، إن طال عمرك فجعت بأحبابك ، وإن قصر عمرك فجعت بنفسك ، وكان رحمه اللّه تعالى إذا كان يوم الجمعة تطهّر ولبس أحسن ثيابه وتردى وتطيّب وراح إلى الجامع ، فإذا انتهى إلى باب الجامع رفع عينيه إلى السّماء وقال : « اللهم اشهد ورجع إلى بيته » . قلت : هذا منه رحمه اللّه ورع مبالغة في كمال الامتثال ، وكان ينهى على الكلام في مسألة : « أنا مؤمن إن شاء اللّه » ويقول : إن أصبنا فيها لم نؤجر ، وإن أخطأنا فيها أثمنا . ويقول لأبي الحكم الزّيّات : ذهبت إلى العراق فأتينا بهذه البدعة وهو الذي جاء بها وألقاها في القيروان ، فرأى رحمه اللّه أنّ الخوض في هذه المسألة فرع منها ، فكان الكلام فيها من أيام محمد بن سحنون ، وابن عبدوس ، إلى زمانه ، فرأى أن الاشتغال بغيرها أولى وإلا فالأصل « إن العالم المجتهد إذا أصاب فله أجران ، وإن أخطأ فله أجر واحد » « 1 » . وكان بينه وبين الشيخ أبي إسحاق السّبائي

--> ( 1 ) هذه الرواية أخرجها الإمام البخاري في الصحيح في كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة ، باب أجر الحاكم إذا اجتهد فأصاب أو أخطأ حديث ( 7352 ) ص : 1841 ، والإمام مسلم في كتاب الأقضية ، باب بيان أجر الحاكم إذا اجتهد فأصاب أو أخطأ ، حديث 15 - ( 1716 ) ص : 913 . كلاهما من رواية عمرو بن العاص بلفظ : « إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران ، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر » ( متفق عليه ) .